زلزال في ملف الابتعاث الخارجي... تقرير رسمي يكشف منظومة فساد هزّت العدالة التعليمية ومنحًا توزعت بالوساطة
لم يعد الحديث عن الفساد في ملف الابتعاث مجرد اتهامات متداولة، بل بات مدعومًا – بحسب تقرير رسمي – بوثائق وأرقام ووقائع ترسم صورة صادمة لواحد من أخطر ملفات العبث بالمنح الدراسية خلال السنوات الماضية. ويكشف التقرير، وفقًا لما ورد فيه، أن نظام الابتعاث شهد اختلالات قانونية وإدارية واسعة، سمحت بتغليب النفوذ والقرابة والوساطة على الكفاءة والاستحقاق، في مشهد يطرح أسئلة ثقيلة حول مصير التعليم ومستقبل آلاف الشباب الذين حُرموا من فرصهم.
*مخالفة صريحة للقانون.. تعطيل اللجان وغياب الرقابة:
بحسب التقرير، فإن عملية الابتعاث منذ عام 2016 لم تُدار عبر اللجان التي ألزم قانون البعثات والمنح الدراسية بتشكيلها، وهو ما وصفته اللجنة بأنه مخالفة صريحة للقانون.
ويؤكد التقرير أن غياب تلك اللجان لم يكن مجرد خلل إداري، بل تسبب في إضعاف الرقابة المؤسسية، وإفقاد عملية الابتعاث معايير الشفافية، وفتح الباب أمام العشوائية والانتقائية والوساطات والتدخلات الشخصية.
ويرى التقرير أن تجاوز الآليات القانونية أوجد بيئة سمحت بتمرير قرارات الابتعاث بعيدًا عن الضوابط التي يفترض أن تضمن تكافؤ الفرص بين جميع المتقدمين.
*الوساطة والمحسوبية والرشوة.. منظومة متكاملة لا حالات فردية:
ووفقًا للجنة، فإن ملف الابتعاث شهد تدخلات سياسية ومحسوبيات ووساطات، إلى جانب رشاوى وتجاوزات وتزوير، الأمر الذي أدى إلى إفراغ نظام الابتعاث من أهدافه الأساسية.
وأشار التقرير إلى أن بعض أصحاب الملفات أفادوا بدفع مبالغ مالية لسماسرة مقابل الحصول على منح دراسية، وهو ما يعكس – بحسب التقرير – وجود شبكات استفادت من غياب الرقابة القانونية والمؤسسية.
*ابتعاث المساعدات المالية.. المخالفة الأكبر:
من أخطر ما خلص إليه التقرير أن ما يعرف بابتعاث “المساعدات المالية” يمثل أكثر أنواع الابتعاث مخالفة لقانون البعثات والمنح الدراسية.
ويرى التقرير أن هذا المسار تحول إلى نافذة واسعة لتمرير قرارات لا تستند إلى معايير واضحة، بعيدًا عن المفاضلة الأكاديمية التي يفترض أن تكون أساس الحصول على أي منحة دراسية.
*تزوير وتوجيهات منتحلة.. الملف يصل إلى القضاء:
ولم تتوقف الوقائع عند حدود المخالفات الإدارية، إذ وثق التقرير – بحسب ما ورد فيه – حالات تزوير في توجيهات الابتعاث، من بينها توجيه مزور منسوب إلى نائب الرئيس السابق.
كما أشار إلى قضية انتحال أكثر من 80 توجيهًا وتوقيعًا لوكيل قطاع البعثات أثناء وجوده خارج البلاد، وهي القضية التي وصلت إلى محكمة الأموال العامة في عدن، في واحدة من أخطر القضايا المرتبطة بملف الابتعاث.
*الأرقام تتحدث.. 33% من المبتعثين من الإخوة والعائلات:
في واحدة من أبرز نتائج التقرير، كشفت اللجنة أنها رصدت 508 حالات ابتعاث بين الإخوة، إضافة إلى 284 عائلة حصل أفرادها على منح دراسية.
ووفقًا للتقرير، فإن الإخوة والعائلات استحوذوا على نحو 33% من إجمالي المبتعثين إلى الخارج، وهي نسبة اعتبرتها اللجنة مؤشرًا خطيرًا يستوجب التحقيق والمراجعة.
كما وثق التقرير حصول بعض العائلات على أكثر من 16 منحة دراسية، مع ملاحظة اختلاف طريقة كتابة الألقاب بما يصعب اكتشاف صلات القرابة بين المستفيدين.
*أبناء مسؤولين ضمن الكشوفات:
وأشار التقرير كذلك إلى رصد أسماء أبناء مسؤولين وسياسيين وشخصيات نافذة ضمن كشوفات المساعدات المالية، إلى جانب حالات قال إنها تضمنت تلاعبًا بالأسماء والبيانات.
ويؤكد التقرير أن مثل هذه الوقائع، إذا ثبتت مسؤولياتها القانونية، تعكس حجم الاختلال الذي أصاب منظومة الابتعاث خلال السنوات الماضية.
*الضحية الكبرى.. الطالب المستحق:
وبينما كانت المنح الدراسية تُمنح – بحسب التقرير – عبر الوساطات والنفوذ في عدد من الحالات، بقي آلاف الطلاب المتفوقين خارج قوائم الابتعاث، رغم استحقاقهم الأكاديمي.
ويعيد ذلك طرح سؤال جوهري حول مصير مبدأ تكافؤ الفرص، وحول حجم الخسارة التي لحقت بالطلاب الذين لم يمتلكوا وساطة أو نفوذًا أو قدرة على الوصول إلى دوائر القرار.
*المفارقة التي تؤلم:
يبقى السؤال الأكثر إيلامًا الذي يفرضه هذا التقرير:
كيف يدرس أبناء بعض المسؤولين والنافذين في أرقى جامعات العالم، بينما يجد آلاف أبناء المواطنين أنفسهم محرومين من المنح والفرص التعليمية، ويُدفع كثير منهم إلى ساحات القتال أو إلى مستقبل مجهول؟
إنها مفارقة تمس جوهر العدالة الاجتماعية، وتضع منظومة الابتعاث أمام اختبار أخلاقي وقانوني لا يتعلق بالتعليم وحده، بل بمفهوم المساواة بين المواطنين.
*خاتمة :
ما كشفه التقرير، إذا ما استُكملت التحقيقات وأثبتت الجهات القضائية ما ورد فيه، لا يمثل مجرد مخالفات إدارية، بل يطرح صورة مقلقة عن كيفية إدارة واحد من أهم الملفات المرتبطة بمستقبل الشباب. فحين تتحول المنح الدراسية إلى امتيازات تُوزع بالنفوذ والوساطة، ويُهمَّش المستحقون، فإن الخاسر لا يكون طالبًا واحدًا، بل دولة بأكملها ومستقبل أجيالها.
ويبقى الرهان اليوم على المساءلة والشفافية، وعلى اتخاذ إجراءات تعيد الاعتبار للقانون، وتضمن أن تكون المنحة الدراسية حقًا للكفاءة والاستحقاق، لا مكافأة للقرابة أو النفوذ أو الوساطة.
اقرأ أيضاً
تدشين المخيم الطبي لجراحة العيون بمستشفى رؤية بالمكلا
جريدتنا اليومية
انضم إلينا لتبقى مواكباً لأحدث
التطورات المحلية والعالمية
